عبد الملك الثعالبي النيسابوري

52

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

عليه صعبا منيعا . فبددت شمله وألفت شملها ، واستحالت حية لا يستلذ قتلها . ترمي بألوان وتتهدد بلسان ، فلذعت البرد لذعة ، ونكرته على فؤاده نكزة ، خرّ لها على جبينه ، ومات بها من حينه . وغشينا من فائض حمتها حر كان لنا حياة ، ولذلك وفاة . فالحمد للّه على نعمته ، وما أرانا من غريب قدرته ، ودلنا به من لطيف صنعته . ولما استحال جمرها رمادا ، وقد مهد لنا من الدفء مهادا ، ولمحته العين كالورد ، وذر عليه كافور الهند ، انبسطت نفس شاكرك فتذكر لما كلفته ، من الزيادة في المعنى الذي اعتمدته ، محرما له لا مقتديا به ، ومستثنيا فيه لا آخذا منه . وله من أخرى يصف فيها البرد والحمام : لما تلقى اليوم البرد شاكرك بنوع ، ومشى إليه بروع ، وكان بالأمس بردا أجحف « 1 » ، فابتنى من سحابة أو طف « 2 » ، قصد بيت النار ، ومورد الأبرار والفجار . فلما رأى الناس أخلاطا تذكر جهنم ، ولفحها المتضرم ، وقوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها واستعاذ باللّه من لهبها ، وسأله أن لا يكون من حطبها ، وإذا بأهلها يتساقون أكواب الحر ، ويتعاورون أثواب القر ، فلما أخذت منهم حمياه ، تهللت الشفاه ، وانطلقت الأفواه ، فأخذوا من تجالدهم ، وأكثروا من عوائدهم ، وكشفت الأبشار ، وهتكت الأستار ، وجعلوا يتجالدون دلكا ، ويتضاربون حكا . حتى إذا خرجوا بجماهرهم ، وانحفلوا بحذافرهم « 3 » . صب على جسمه من عريض ، وامتد على وضاح ذي وميض ، قاربه الحر حتى احتواه ، وباعده القر حتى اشتهاه . فحينئذ أخذ في طهره ، وقضى من أمره ، وقد لطف حسه ، وتراجعت إليه نفسه . فذكر ما خاطبك به أمس في المعنى الذي كلفته ، على الاختيار الذي قصدته ، فإذا بذلك الكلام لا يدل على سواه ، ولا يقتضي لغير

--> ( 1 ) أجحف : مهلك وكثير الضرر . ( 2 ) أوطف : أرفع . ( 3 ) انحفلوا : اجتمعوا .